Prepare for Disappointment,

It All Begins Here

ضياع

ضياعٌ على يميني،

وأمامي ضبابٌ يحجبُ الرؤية.

أتخبّطُ من مكانٍ إلى آخر، أبحثُ عن مخرجٍ

مخرجٍ من نفسي، يسقطني من ذاتي بلا رجعة،

يمحو أثري كأنّي لم أكن،

يجعلُني أنساني دون ذكرى،

يجعلُني، ببساطةٍ جارحةٍ، لا أكون.

كيف أوقِفُ هذا الدّوران؟

أحملُ في جيبي أقراصًا صغيرةً كالوعدِ الفارغ،

أطرقُ بها على بابِ الرأسِ علّها تُسكتُ صدى البحرِ الذي يسكنني.

لكنّ الحزنَ أمامها جبلٌ يبتلعُ الضوء؛

خوفٌ يبتلعُ السكينة، ذئبٌ يلتهمُ الهدوء.

لأنّ ما أخشاه يولدُ كلّ يومٍ باسمٍ جديدٍ،

نبتةٌ سوداءُ تخرجُ من صدري وتزدادُ طولًا،

تتسلّلُ بين أيامي، تهشّمُ زجاجَ الهدوء،

حتى يصبحَ الجمودُ مضرابًا على وترٍ مقطوعٍ.

ضياعٌ على يساري ضلٌّ لا يقبلُ الرحيل،

ورائي غبارٌ قاتمٌ يزحفُ ببطءٍ ليَلتهمني.

هو نفسه ضلّي، ضلّي الذي رفضته؛

ضلّي الذي لا يحتملُ الرُّؤية.

يكبّلُ يداي خلفَ ظهري؛ أغدو أسيرةً في زمنٍ مهجور،

وينزعُ عنّي تذكرةَ الدخولِ إلى الحاضر أغدو أسيرةَ الزمنِ المجهول.

أنا كائنٌ لا تُحتمل رؤيتُه؛ هذا على الأقل ما أقولُ لنفسي.

لكن لماذا لا تُحتمل رؤيتُه؟ هذا جوابٌ لا أحمله بنفسي.

أقول: ربما أجدُني جوابًا على ورقةٍ مرميةٍ مخفيةٍ، يراقصها العابرون.

أقول: ربما يُغفَرُ لي ذنبي الذي لا يغفره السابقون.

لم أقل يومًا إنّي وُلِدتُ مثلهم،

بل كنتُ أقول دائمًا إنّي قُتلتُ دونهم.

حُشرتُ دونهم، نُفيتُ دونهم، حتى صارت الحياةُ شاحبةً شاحبةً جدًّا.

لا تلوحُ لها علامةٌ للحلم، وإن عبر أمامها،

ولا تصافحُ الفرحَ، حتى وإن مدّ يدهُ لها.

ضياعٌ صاخبٌ، صارخٌ، خاطفٌ،

أعيشه وأعجز عن صياغته بالكلمات.

ضياعٌ ضاربٌ، قارسٌ، حارقٌ،

تتهاوى أمامَهُ الأضدادُ، وتنحني المعاني.

لا تجري الأيامُ في عكسه، ولا يعلنُ استسلامَه؛

يبقى جاثمًا كقدرٍ معلقٍ، يأكلُ من صمتٍ ثابتٍ،

ويَشربُ من عتمةِ الألوان.

هوية

من جذع شجرةٍ يتيمة،

تتشكّل ثمرةٌ خصبة، تُزيّن الحضورَ وتجعله بهيَّ المنظر.

ومن ابتسامةٍ قديمة،

تتشكّل ذكرى منحوتة، مصقولةٌ بيدي فنانٍ ماهر.

وعند التواء الرؤية،

تولد زاويةٌ عقيمة،

تُعيدني إلى سؤالٍ مُرهق:

أينكِ أنتِ، يا هويتي؟

جمعتُ جوابَ أحجيتي،

بقايا… شظايا من كلّ ما يفلت،

وشكّلتُ بها صورةً،

فانكسر إطارُ صورتي.

فأينكِ أنتِ، يا هويتي؟

بيني وبين نفسي فجوة،

وفجوةٌ تزداد مسافتها كلما اشتدّ السؤال.

عندما أغمضُ عيني، أكاد ألمسني من بعيد،

طيفًا يجيءُ وينجلي.

وحين أناديني من بعيد،

يتبخّر صوتي بين الزوايا،

كأنّي أنادي صدى لا يعترفُ بي،

كأنّي أبحث عن ظلّي الذي ينكرني.

يغازلني الحزنُ بوحدةٍ عميقة،

ويغزل لي ثوبًا من دموعٍ جليديّة،

يُلبسني إيّاه أمام الملأ.

وعندما يسألني الآخرون،

أكادُ أنسى اسمي،

وأكادُ أن أكسر صمتي،

لأقول: إنني ما زلتُ أجهلني.

أنا سقطتُ مرّاتٍ، وتجوفَت ركبتاي المدميتان؛

سقطتُ مرّاتٍ وزحفتُ على طول السراب.

أرجو حقيقتي،

أستجدي ملامح وجهي بين الغبار،

علّني أجدُني في آخر الطريق.

أينكِ أنتِ، يا هويتي؟

يغتالني الهوسُ تارةً،

ويفتحُ شراييني بصراخِه الصاخب،

يجعلني لا أذكر ما مضى،

ولا أركض خلف مستقبل آخر.

يجعلني أوقف رحلتي،

وأرقص فوق مقعدي المكسور،

يجعلني أفرك ياقتي،

وأنتظر نزولَ مبشّرٍ.

أسمع فتواه على طول الحديث،

وأبحث فيها عن النواقص.

يغتالني الهوسُ مرّاتٍ،

ويُفقدني ثباتي،

تفتح فيه شهيتي،

فألتهم هلاوسي،

وأكتب أسماءً على جدار الليل — أحرف تهرب مني إلى المجهول،

كأنّي أُولَد في كل لحظة،

ثم أحترق في اللحظة ذاتها.

ثم يأتي الغبار،

يلوث حجرة رؤيتي،

يسد النوافذ ويُخفي ملامح السماء،

ويأتي بعده الدمار،

فأغدو كائنًا بئيسًا،

يرمي أحجاره في بركة وَحل،

وينتظر أن تصير لؤلؤًا.

ينزف ذراعاه،

وينتظر التحامها بنفسها،

كطفل يرقب معجزة في الظلام.

فأينكِ أنتِ، يا هويتي؟

أنا أجزاءٌ مبعثرة،

أنا لغزٌ مشلول،

أنا صورة قمر ناقصة،

أنا شبح نجوم ذابلة.

أينكِ أنتِ، يا هويتي؟

وافيني في ملتقى الطرق،

أو عند نهايات الخط المنكسر،

وافيني في حجرة القطار،

أو خلف زجاج نوافذه،

ورُدّي على حيرتي مرة،

وبعدها ليكن رحيلك دائمْ…

-أسماء،